الحفاظ على هوية القدس واجب شرعي ودولي

مقال صاحب السمو الملكي الأمير الحسن بن طلال المعظم، بعنوان "الحفاظ على هوية القدس واجب شرعي ودولي"

الصادر في صحيفة العرب اللندنية.

 

“هذا المقال مُهدى إلى العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، اعترافا بشجاعتهم وثباتهم في وجه الشدائد والصعاب، وإلى كل من يهتم مخلصا صادقا بسلام دائم، وإلى أسرتنا الأردنية والفلسطينية لما أظهرته من صمود وما بذلته من تضحيات في خدمة #فلسطين وقضيتها”.

لا نجد مدينة في العالم تهفو إليها القلوب ويشترك في تقديسها أكثر من نصف سكان العالم كما هو الحال مع مدينة #القدس التي تحظى بمكانة استثنائية لدى أتباع الأديان السماوية الثلاث، ولكن وإلى جانب المكانة الدينية للمدينة، فإن للقدس تاريخها العريق الذي يمتد آلاف السنين قبل الميلاد فقد سكنها اليبوسيون قبل قدوم إبراهيم عليه السلام. وهنا ندرك أنه ومهما كانت الموثوقية الدينية لمقولة الوعد الإلهي لإبراهيم بأن يجعل أرض كنعان لذرّيته، فإن ذلك لا يمكن أن يكون مبررا للظلم والاحتلال وتقويض الحقوق الطبيعية للشعوب في العيش بأمن وسلام في أوطانها.

ومن منظور أخلاقي، فقد اتخذت مدينة القدس من اسمها “#مدينة_السلام” معيارا قيميّا أخلاقيا يكشف اعتلال النظم التي يجترح فيها الشر والطغيان. وهنا يمكن أن نفهم كلمات إرميا النبي والتي ينتقد فيها الظلم والعدوان اللذين اقترفهما أبناء يهوذا وبنيامين في شوارع أورشليم بالقول “طُوفُوا فِي شَوَارِعِ أُورُشَلِيمَ وَانْظُرُوا، وَاعْرِفُوا وَفَتِّشُوا فِي سَاحَاتِهَا، هَلْ تَجِدُونَ إِنْسَانًا أَوْ يُوجَدُ عَامِلٌ بِالْعَدْلِ طَالِبُ الْحَقِّ، فَأَصْفَحَ عَنْهَا؟” (إرميا 1:5).

ومن جانب دولي، فقد عانت البشرية من ويلات الحروب على مر الزمن والتي خلفت وراءها الملايين من القتلى والمهجرين، فكان الحل الأممي بإنشاء منظمة دولية تقوم على أساس حفظ الأمن والسلم الدوليين. وبظهور منظمة الأمم المتحدة إلى حيز الوجود، بدأت الخطوات العملية نحو تبني قواعد أساسية للقانون الدولي تقوم على احترام الوجود الإنساني بصرف النظر عن الأصل أو العرق أو الدين. فجرى توقيع العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تكرس حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، ابتداء من مركزها السياسي وتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وانتهاء بحقها في التصرف الحر بثرواتها ومواردها الطبيعية. فلا يجوز حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة به.

وعلى الرغم من ثبات الركائز الدولية الحاضنة لحقوق الإنسان، إلا أننا لا نزال نعاني من حالة من الإنكار لحق الغير في الحفاظ على هويته وقوميته. فالمواثيق الدولية لحقوق الإنسان لا يمكن لها أن تحقق الغاية المرجوة منها ما لم تحدث هناك نقلة نوعية في مفاهيم أساسية لدى المخاطبين بها، فننتقل من حالة العداء ومحاولة طمس حقائق الماضي الثابتة الراسخة، إلى الاحترام المتبادل والعيش بسلام. فالفكرة الأساسية هي التعلّم من خلال فهم موروث الآخر، وأن بناء الثقة يقود على الأقل إلى الحوار القائم على تعظيم القيم المشتركة.

بالعودة إلى الوراء، فبموجب قانون مرسوم القانون والإدارة (التعديل رقم 11) الصادر في 27 يونيو 1967 والقانون المعدل لمرسوم الهيئات البلدية الصادر في اليوم نفسه، قرر وزير الداخلية أن يشمل قانون إسرائيل وإدارتها “المدينة القديمة” ومناطق أخرى مجاورة، أي ما سمي “بلدية القدس الكبرى”. وتصرفت إسرائيل بوصفها دولة احتلال عسكري دون أي حق يجيزه لها القانون الدولي.

وتقتضي المادة 43 من تنظيمات لاهاي لسنة 1907 أن على “دولة الاحتلال أن تحترم القوانين النافذة في القُطر ما لم يحل دونها وذلك بصورة مطلقة”؛ ولا يمكن أن يتوافق قانونا الكنيست المذكوران أعلاه مع المادة 43. وهذا تعارض أساسي بين تنظيمات لاهاي ونظام إسرائيل القانوني والإداري. وتنص المادة 56 من تنظيمات لاهاي “يجب أن تُعامل أملاك السلطات المحلية… حتى حين تكون أملاكا للدولة، معاملة الأملاك الخاصة”. والمادة 46 “يجب احترام الملكية الخاصة… ولا يجوز مصادرة الأملاك الخاصة”. وحين تُفحص الإجراءات الإدارية وغيرها المتخذة بالنسبة إلى التنظيم البلدي لمدينة القدس، يتضح أن حكومة إسرائيل لم تعتبر المادتين 56 و46 ملزمتين لها، وكانت تُنفذ قانونها المحلي.

وتوجد أدلة على أن عددا من البيوت والمباني المملوكة لأفراد عرب قد هدمت أو دمرت من أجل بناء عمارات شقق كبيرة في ضواحي المدينة بالإضافة إلى الاستملاك الإجباري لأراض وأملاك والذي ليس ضروريا للغايات العسكرية إلا أنه يفي باحتياجات الإسرائيليين إلى مساكن. وهذه الإجراءات، على نطاق كبير، تقلب التوازن الديموغرافي للسكان. وحين يكون الاستيلاء مصادرة فإنه على الأرجح انتهاك للمادة 46 من تنظيمات لاهاي، وحين يُهدم عقار عربي أو يُدمر فإنه انتهاك للمادة 53 من معاهدة جنيف.

إن السكوت على هذه الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان والاستمرار فيها ستكون له تبعات جسيمة على أرض الواقع وتهديد للسلم. إن تحقيق الأمن والسلم الدوليين مرتبط ارتباطا وثيقا بالتزام الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالقرارات الأممية والتي تجرم أفعال الاستيطان والسيطرة على الأراضي بالقوة، وتزييف الحقائق على الأرض. فضم الأراضي المحتلة ومصادرة الأملاك هو انتهاك خطير لميثاق الأمم المتحدة ولاتفاقيات جنيف، كما أنه يتعارض مع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تعتبر أن الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب أو القوة هو أمر “غير مقبول”.

وبما سيتبقى من #الضفة_الغربية من أجزاء بعد الضم لن يكون بمقدور الفلسطينيين إقامة دولتهم المستقلة عليها. فالاستيطان سيحول الضفة الغربية إلى “بانتوستان فلسطيني”، مكون من أجزاء من أراض غير متصلة مع بعضها البعض ومحاطة بالكامل بإقليم دولة إسرائيل دون أن يكون لها أي اتصال بالعالم الخارجي. وهذا ما سيجعل المساعي الدولية وحتى لدى بعض القوى السياسية الإسرائيلية لتطبيق حل الدولتين ضربا من ضروب الخيال، إذ لا تقبل النظم السياسية والدستورية إقامة دولة إقليمها يعاني من تفكك وعدم ترابط وانعزال.

ومن ويلات ضم الأراضي الفلسطينية أنه سيخلق واقعا سكانيا غير عادل. فالشعب الفلسطيني لن يترك أرضه أو يتنازل عنها بسهولة، والمقدسيون المرابطون في رحاب القدس وجوار المسجد الأقصى المبارك هم الطائفة المنصورة التي بشّر بها النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الشريف في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. وبالتالي سيخلق الضم حالة مخالفة لقواعد القانون الدولي تتمثل في وجود شعبين يعيشان في نفس المكان ويخضعان لذات السلطة السياسية، إلا أنهما يتمتعان بحقوق غير متساوية. وهذا ما ستضطر القوانين الوضعية في إسرائيل إلى تكريسه بشكل واضح وجلي، فيكتمل المشهد السياسي على جريمة فصل عنصري جديد في القرن الحادي والعشرين.

أما هدم المنازل الفلسطينية ومصادرتها كإجراء عقابي، فهو يعد شكلا من أشكال العقاب الجماعي خلافا للقانون الدولي. فالعقوبات الجماعية تعد ضربا من ضروب الجرائم الدولية وانتهاكا لنصوص القانون الدولي الإنساني ومبادئ العرف الدولي. كما ينطوي هدم الممتلكات في القدس المحتلة على انتهاك صارخ للحق في الملكية الخاصة وللحق في السكن. وهذه الأفعال غير المشروعة دوليا والتي تهدف إلى تغيير ملامح المدينة المقدسة تحول دون ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير، والذي يعد قاعدة دولية آمرة.

المنطقة العربية تعيش اليوم حالة غير مسبوقة من التوتر على كافة الأصعدة، وأصبح السلام والعيش المشترك يقبعان في آخر الأولويات. فالسعي إلى السلام بين الشعوب قد جرى هدمه بسبب التدهور الحاصل في الصراع العربي - الإسرائيلي، الذي يدخل ممرات مظلمة ستؤدي إلى زيادة حدة التوتر وتصعيد التهديد الأمني والتطرف. فالأمن مقابل السلام قاعدة حكيمة بحاجة إلى أن نؤمن بها ونسعى إلى العمل على تحقيقها، وذلك من خلال اختراق الطريق المسدود، والخروج إلى طريق هدفه الوصول إلى سلام شامل في الشرق الأوسط.

الحكمة والعقلانية تدعواننا اليوم إلى العمل من أجل زيادة استقرار دول المنطقة، في إطار تسوية عادلة تستند إلى حل الدولتين. فوسطية القدس تدعونا إلى تلمّس مفاهيم التاريخ على أساس العِبر، وليس على أساس استمرار الظلامة ومفهوم القلعة العازلة. فالقدس يجب أن تخضع إلى رؤية متكاملة، تحافظ على هويتها الدينية من جانب وتحمي المدينة التاريخية والعرب المقدسيين فيها، الذين ما فتئوا يتعرضون لعمليات الانتقام والتهويد، كتلك التي حدثت منذ أول أيام الاحتلال تجاه حي المغاربة، واليوم في باب العمود وسلوان والشيخ جراح.

لقد آن الأوان أن تكون القدس حقا مدينة للسلام، وأن يقوم الجميع بواجبهم تجاه هذه المدينة المقدسة الجريحة التي تحوي مكانة دينية مرموقة في التراث الديني الإسلامي والمسيحي واليهودي وتتميز بثراء نسيجها الاجتماعي. ولا بد من الاهتمام بتحقيق المعاملة المتساوية والرفاهية لجميع سكانها، فمصير المدينة المقدسة يهمنا جميعا فهي تعني الكثير للعالم بأسره، وما يحدث في المدينة هو بمثابة مؤشر كوني على سمو أو انحدار العلاقات بين أتباع الأديان أولا، ثم بين المجتمعات والثقافات المختلفة في حضارتنا البشرية المشتركة.

 

#الحسن_بن_طلال

#ElHassanBinTalal

#RIIFS